أبو نصر الفارابي

100

الجمع بين رأيي الحكيمين

فمن تأمل ما وضعناه « 168 » على سبيل الايجاز بما قد بالغ الحكيم أرسطو في وصفه ، في آخر كتاب « البرهان » وفي كتاب « النفس » ، وقد شرحه المفسرون واستقصوا امره ، علم أن الذي ذكره الحكيم في أول كتاب البرهان » وحكيناه في هذا القول ، قريب مما قاله أفلاطون في كتاب « فاذن » ، الا ان بين الموضوعين خلافا ، وذلك ان الحكيم أرسطو يذكر ذلك عندما يريد ايضاح امر العلم والقياس . واما أفلاطون فإنه يذكره « 169 » عندما يريد ايضاح امر النفس . ولذلك أشكل « 170 » على أكثر من ينظر في اقاويلهما . وفيما أوردناه كفاية لمن قصد سواء السبيل . حادي عشر - قدم العالم وحدوثه ومن ذلك أيضا امر العالم وحدوثه ؛ وهل له صانع هو علته الفاعلية « 171 » ، أم لا . ومما يظن بارسطوطاليس انه يرى أن العالم قديم ، وبافلاطون انه يرى أن العالم محدث « 172 » . فأقول : ان الذي دعى هؤلاء إلى هذا الظن القبيح المستنكر بارسطوطاليس الحكيم ، هو ما قاله في كتاب « طوبيقا » انه قد توجد قضية واحدة بعينها يمكن ان يؤتى على كلا طرفيها قياس من مقدمات ذائعة ، مثال ذلك : هذا العالم قديم أم ليس بقديم . وقد وجب على هؤلاء المختلفين ، اما أولا ، فبأنّ ما يؤتى به على سبيل « 173 » المثال لا يجري مجرى الاعتقاد ؛ وأيضا فان غرض أرسطو في كتاب « طوبيقا » ليس هو بيان امر العالم ، لكن غرضه امر القياسات المركبة من المقدمات الذائعة . وكان قد وجد أهل « 174 » زمانه يتناظرون في امر العالم : هل هو قديم أم محدث ، كما كانوا يتناظرون في اللذة ، هل هي خير أم شرّ ، وكانوا يأتون على كلا الطرفين من كل مسألة بقياسات ذائعة . وقد بيّن أرسطو في ذلك الكتاب وفي غيره من كتبه ، ان المقدّمة المشهورة لا يراعي فيها الصدق والكذب ، لان المشهور بما كان كاذبا ، ولا « 175 » يطرح في الجدل لكذبه ، وربما كان صادقا ، فيستعمل لشهرته في الجدل ،

--> ( 168 ) « ا » وصفناه ؛ « د » وضعناه . ( 169 ) « ا » يذكره عند ؛ « ب » يذكر وما يذكره . ( 170 ) « ا » « ب » ما أشكل ؛ « د » أشكل . ( 171 ) « ا » علته الفاعلية ؛ « ب » علة الفاعلة . ( 172 ) « ا » محدث ؛ « ب » حادث . ( 173 ) « ا » سبيل ؛ « ب » نيل . ( 174 ) « ا » أهل ؛ « ب » وأهل . ( 175 ) « ا » « ب » لا ؛ « د » ولا .